في مؤتمر صحفي عقد في كابل الشهر المنصرم, اتَّهم الرئيس الأفغاني حامد كرزاي الولايات المتحدة بأنَّها تعمل مع "طالبان" لتقويض حكومته والمحافظة على وضع أفغانستان غير مستقرة لتبرير بقاء القوات الأمريكية في البلاد.
بطبيعة الحال, أغضب الاتهام واشنطن وقامت برفضه على وجه السرعة, إلا أنَّ بعض المسئولين الأفغان وقادة المجتمع المدني لا يزالون يشعرون بالإحباط بشكل متزايد بسبب ما تقوم به الولايات المتحدة من أعمال تعود بالضرر على المدنيين وتقوض السيادة الأفغانية.
برغم الصعوبات, تستطيع واشنطن وكابل إعادة بناء علاقاتهم المتوترة عن طريق التحوّل من إستراتيجية الحرب إلى السعي نحو تحقيق السلام والاستقرار الدائم في أفغانستان, ومن المهم أن نتذكر ما يتشارك فيه الحكومتين في العديد من المصالح المشتركة التي تحدد شراكتهما.
في بيان مشترك صدر في يناير عام 2013, أعاد أوباما وكرزاي التأكيد على التزامهما المشترك لدفع عجلة السلام وتعزيز المؤسسات الأفغانية الديمقراطية وإقامة دولة آمنة ومستقرة بمقدورها التطور اقتصاديًا واجتماعيًا, وتحقيق هذه المصالح المشتركة ليس مستحيلاً, لكنه يتطلب التفكير المختلف- على أقل تقدير- فيما يتعلق بالتوصل إلى تسوية سلمية.
صحيحٌ أن كلا الرئيسين؛ أوباما وكرزاي, دعيا إلى العثور على مخرج سياسي للحرب، كما وافسقا كليهما على هدف تسوية سلمية عن طريق التفاوض, لكنهما لم يُبديا حماسة كبيرة أو شعورًا بالميل الاستراتيجي للتواصل مع المتمردين, وكما فضلت طالبان وغيرها من الجماعات المسلحة في البداية الدخول في محادثات السلام، لكنها ابتعدت عنها بعد مطالبة الولايات المتحدة بتحقيق وعودها بإطلاق معتقلين من طالبان في سجن جوانتانامو.
أما النموذج المحتمل لإيجاد تسوية سلمية جاء بناء على توصية من مجموعة الأزمات الدولية ومؤسسة راند, حيث أشارت المنظمتان في تقارير نشرت عامي2011 و2012، إلى توصية بتكوين فريق وساطة عالي المستوى بقيادة الأمم المتحدة، والذي يكون مقبولاً من جميع الأطراف لتيسير عملية سلام شاملة بينها, ورغم أن هذه التقارير حدّدت بداية عام 2013 كموعد نهائي لتنفيذ هذه الجهود، فإنه لم يفت الأوان بعد.
من الممكن أن تبدأ عملية سلمية شاملة من خلال إجراءات وتدابير بناء الثقة توجه نحو جماعات مختلفة، بلغ ذروتها بتسوية سلمية عن طريق التفاوض والذي يضم جميع أصحاب المصالح والاهتمامات ذوي الصلة في الدولة، بمن فيهم الأقليات العرقية, والمجتمع المدني في أفغانستان.
وهذه الجماعات الأخيرة في حاجة لأن تكون ممثلة منذ البداية لإيجاد مشاركة أوسع في عملية التسوية ورفع آفاق نجاحها, وربما تكون واشنطن وكابل بدأت العمل مع الأمم المتحدة لتحديد فريق الوساطة, الذي سيكون مقبولا لكليهما وبمقدوره التواصل مع جميع أصحاب المصالح المشتركة.
وإذا تم التوصل إلى اتفاقية سلام، فمن المرجح أنها ستحتاج إلى دعم قوى من أطراف ثالثة لحفظ السلام, وهو مختلف عن صنع السلام, حيث يفوض طرف ثالث محايد عادة من الأمم المتحدة بالدخول إلى الدولة لإيجاد ظروف للسلام، بما فيها مراقبة انسحاب المقاتلين من مناطق النزاع ومراقبة الانتخابات وتوصيل مساعدات إعادة البناء, وذلك كما تظهر دلائل مثل تسويات سلمية في كمبوديا وليبيريا بأن وجود طرف ثالث تزيد كثيرا من احتمالات السلام المستمر والدائم.
ويمكن لقوة حفظ سلام أن تقودها قوات مسلمة، كما اقترح قادة طالبان, ومن الأرجح أن تحقق قوة حفظ سلام بقيادة مسلمة نجاحًا إضافيًا, وقد قال المسئولون الإندونيسيون الذين قابلتهم فيما يتعلق بهذه الفكرة: إن جاكرتا ربما تكون مستعدة للعب دور، ولكن فقط إذا كانت القوة تحت سلطة الأمم المتحدة، وتملك موافقة جميع الأطراف الباكستانية.
من خلال دعم مفاوضات تقودها الأمم المتحدة من أجل تسوية شاملة، يمكن لواشنطن وكابول العمل مع إندونيسيا وغيرها من الدول ذات الغالبية الإسلامية لإيجاد قوة حفظ سلام مؤقتة، أن تبني شراكة أكثر استقرارًا وبقاء, ستستفيد من ذلك كلا الدولتين. ويمكن للولايات المتحدة سحب قواتها دون تعريض أمن المنطقة للخطر، كما ستحصل أفغانستان على سيادة أوسع وأكبر بمستقبل يسوده السلام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق