كتب "سورين كيرن" الباحث المتخصص في القضايا المتعلقة بالمسلمين بأوروبا مقالاً على "شبكة معهد جيتستون" حول الوجود الإسلامي في القوات المسلحة بعدد من الدول الأوروبية يقول فيه:
تسعى ألمانيا لتجنيد المزيدِ من المسلمين في قواتِها المسلحة، وكأنها لا تجد القدرَ الوافي من المواطنين الألمان غير المسلمين لتوظيفهم في هذه المناصب؛ فقد أعلن وزير الدفاع "توماس ديمايزير" عن نيتِه في جعل "قوات الدفاع الفيدرالية" "متعدد الثقافات" خلال مهمة استقطاب الكفاءات في 20 يونيو 2012 بالعاصمة التركية "أنقرة"، حيث قال: "أريد الجيشَ الألماني أن يكون ممثِّلاً لنقطة التقاء للشعب الألماني".
وفي إطار البحث عن جنود اعتبر المسؤولون بالقوات المسلحة الألمانية الأقليةَ المسلمة التركية بألمانيا (تبلغ 3.5 مليون مع توقع المزيد) مصدرًا جديدًا للتجنيد المحتمل.
وقد قام "مايزير" بقفزة البدء في تجنيد الأتراك الألمان من خلال عرض بعض المحفزات عليهم ليوقِّعوا على العمل مع خدمات القوات المسلحة؛ فعلى سبيل المثال استهدفت رحلة "مايزير" إلى أنقرة إقناعَ الحكومة التركية بالتخلِّي عن طلب أداء الخدمة العسكرية الإجباري في تركيا لأولئك الأفراد الحاصلين على الجنسيتين التركية والألمانية، والذين قاموا بأداء 15 شهرًا على الأقل بالخدمة العسكرية بالجيش الألماني.
فـ"مايزير" يؤمن بأن الأتراكَ يجب أن يخدموا في الجيش الألماني بدلاً من الجيش التركي، إلا أن وزير الدفاع التركي "عصمت يلمز" نبذ الفكرةَ، مؤكدًا أن القانون التركي لا يسمح للمواطنين الأتراك أن يستبدلوا الخدمةَ العسكرية الإجبارية في تركيا من أجل القيام بالخدمة العسكرية التطوعية بألمانيا أو أي دولة أخرى.
واستمر "مايزير" في التأكيد على أن الأتراك الذين يؤدون الخدمة بالقوات المسلحة الألمانية يجب أن يكونوا حاصلين على الجنسية الألمانية، وأنه ليس لديه نيةٌ لتجنيد غيرِ حاملي الجنسية من المواطنين، وقال في تصريحات لصحفيين بأنقرة: "إن نموذجَ الفيلق الأجنبي بألمانيا مستحيلٌ".
ولكن الضغط على ألمانيا التي تواجه تحدياتٍ ديمغرافية يدفع ألمانيا لتقليل معايير كفاءةِ الجيش، والأخذ في تجنيد الأجانبِ لحشد قواتها المسلحة.
وأما المفوض البرلماني للقوات المسلحة "كونجيس هاوس" فطالب مؤخرًا بالسماح للمواطنين الأجانب بالانضمام للجيش الألماني، واقترح أن توفر ألمانيا لأولئك المهاجرين الذين وافقوا على أن يصبحوا جنودًا مسارَ إجراءات سريعًا ليصبحوا مواطنين ألمانًا حاصلين على الجنسية.
وقد أهمل "كونجيس هواس" إمكانيةَ حدوث مشكلات متعلقة بالولاء مع الأفراد الذين لا يحملون جواز سفر ألماني، وقال "كونجيس هاوس": "إن المتطلب طبيعيًّا اعترافُ المرشح الأجنبي بالولاء لدولتنا ودستورنا، وأن يتحدث الألمانيةَ أيضًا"، وأضاف: "لماذا يجب أن يكون دمجُ الأجانب بالجيش مختلفًا عن دمج الأجانب بفريق كرةِ القدم الوطني؟".
والإجابة عن هذا السؤال يمكن العثورُ عليها في فرنسا؛ حيث واجهت القواتُ المسلحة مشكلاتٍ بارزة في دمج الجنود المسلمين ضمن مناصبها.
يشكِّل المهاجرون المسلمون تقديرًا يساوي نحو 15% من أفراد الجيش الفرنسي (الأرقام الفعلية غير متوفرة؛ حيث يمنع القانون الفرنسي من جمع البيانات، بناءً على الانتماء الديني)، فواقعيًّا يوجد نحو 30 ألف مسلم بالخدمة من مجموع 220 ألف فرد عسكري بالقوات المسلحة الفرنسية.
وكثيرٌ من الجدل حول قضية المسلمين الذين يؤدون الخدمةَ العسكرية بالجيش الفَرنسي يدور حول السؤال الافتراضي تجاه: كيف تتوقع ولاءَ القوات المسلِمة في حالة دخول الجيش الفَرنسي في صراع مسلَّح مع الدول الإسلامية؟
وقد برزت قضية ولاء القوات المسلِمة إلى السطح في أعقاب أحداث التوتر التي وقعت في ضواحي باريس في أكتوبر عام 2005؛ فقد أثَّرت أحداثُ التوتر على نحو 274 قرية ومدينة فَرنسية، وأدت لأضرار بالممتلكات بلغت 200 مليون يورو، حيث وقع حرق لمئات المركبات والمباني.
وفي ذلك الوقت خشِيت السلطاتُ الفَرنسية من أن أحداث التوتر يمكن أن تتسعَ لتشمل انتفاضةً إسلامية عبر الدولة؛ حيث كانوا يحاولون توقُّعَ سلوك الجنود المسلمين في حالة استدعاء الجيش الفرنسيِّ ليستعيدَ النظامَ العام.
وقد أظهرت نتائجُ مسحٍ استقصائي على المسلمين المهاجرين بضواحي فرنسا أن أقلَّ من 10% فقط من المشاركين يعتبرون أنفسهم فَرنسِيِّي الهُوية، وأن 1% فقط أشاروا إلى رغبتهم في الموت من أجل فَرنسا.
ولنعتبر حالة الجندي الجزائري الفرنسي "أيشا"، والذي سئل عن وقوع صراع مسلَّح افتراضي بين فَرنسا والجزائر، فأجاب مرتديًا الزيَّ العسكري الفرنسي بأنه لا يمكنه تصورُ أن يشن حربًا ضد أهله، وقال: "في عقلي أنا جزائري؛ لا أشعر أني فرنسي، بالنسبة لي الجيش ليس دفاعًا عن دولة؛ ولكنه بحثٌ عن عمل"، (لقد تم حذف التصريح من موقع المتحف الوطني لتاريخ الهجرة حيث نُشر للمرة الأولى).
لقد استشهدت الصحيفةُ الفَرنسية اليومية "لوموند" بمقتطفاتٍ من تقرير سِريٍّ تم إعدادُه لوزارة الدفاع الفرنسية حول موضوع "الشباب الفرنسي من ذوي الأصول الإفريقية الشمالية" في الجيش الفرنسي؛ حيث يقول التقرير: "الشباب الفرنسي ذوو الأصول الإفريقية الشمالية" أقربُ بثلات مرات ونصف - مقارنة بالجنود الفَرنسيين الأصليين - لترك الجندية، وأكثرُ ست مرات في رفض اتباع الأوامر، وأكثر ست مرات في التطاول على الضباط ذوي الرُّتَب الأعلى، وأنهم أكثر ثمان مرات في القيام بالعصيان".
هذا بالإضافة إلى حادثة حاملة الطائرات "فوش" أثناء تدخل القوات الفَرنسية في الحرب ضد كوسوفو 1999؛ حيث قام 60 بحَّارًا من أصول إفريقية شمالية بالتمرُّد وخَطْف ضابط السلاح، وأرجعت التقاريرُ ذلك إلى معارضتِهم للضربات الجوية الفرنسية ضد كوسوفو، والتي يشكِّل المسلمون بها 90%.
وفي واقعة حديثة ذكرت صحيفة "لو فيجارو" الفرنسية أن الجنود المسلمين بالجيش الفرنسي رفضوا المشاركةَ في القتال في أفغانستان، بِناءً على دينهم الإسلامي، وتعليقًا على ذلك صرَّح متحدِّث عسكري استُضيف بإحدى الصحف بأن رفضَ الانتشار العسكري بأفغانستان يمثِّل "سوء فهْم لمعنى الالتزام بحمل السلاح لأجل فرنسا، والدفاع عن مصالحها وقِيَمها في جميع الأوقات وفي كل مكان"، وأضاف الضابط قائلاً: "يتم اتخاذُ إجراءات تأديبية منتظمة في حالة رفض المشاركة في القتال؛ فتنتهي في غالب الأحيان بفسخ العقد".
ومن ناحية أخرى فإنه خلال جلسة استماع شهر مارس 2011 حول قضايا الدفاع بالمجلس الوطني والذي يعتبر "مجلس النواب"؛ كشَف وزير الدفاع الفرنسي السابق "ميشيل أليوت ماري" أن البحريةَ الفَرنسية لديها مشكلات مع "من قاموا بتنصيب أنفسهم أئمَّة للمسلمين" بالسُّفن البحرية الفرنسية، وتحديدًا أصبح قادة حاملة الطائرات "شارل ديجول" قلقين من عدد المسلمين الذين يجتمعون معًا على ظهر المركب، وطبقًا للبينة فإن المشكلةَ تم حلُّها من خلال توظيف داعيةٍ مِهْني لمنع من ينصِّبون أنفسَهم وُعَّاظًا من "مخاطبة الجنود المسلمين بمفاهيمَ بديلة عن التي يجب أن تعنيها خدمتُهم بالقوات المسلحة".
أول المرشدين الدينيين من هذا النوع كان "محمد علي بوحرب" البالغ 32 عامًا، الفرنسي، التونسي الأصل، وطبقًا لِما ذكرته "لو فيجارو" فإن مهمة "بوحرب" الأُولى - كواعظ ديني - كانت تنظيم رحلة الحج للجنود المسلمين، وقد وعدت وزارة الدفاع فعليًّا بتوفير طائرتين حكوميتين تسَعُ كلُّ واحدة لـ 220 فردًا لنقل جنود الجيش المسلمين إلى المملكة العربية السعودية حتى لا يضطروا للسفر عبر خطوط الطيران التجارية الخاصة.
وبالرغم من أن الدينَ والدولة منفصلان بصورة قوية في باقي المجتمع الفرنسي؛ فإنَّ الجيش وفَّق أوضاع أفراده المسلمين بطرق أخرى على السواء؛ فموافقة على طلبات "بوحرب" على سبيل المثال يقوم الجيش بتوفير الوجبات الحلال، وغرف أداء الصلاة للجنود المسلمين، وأيضًا قام الإرشاد الديني للمسلمين بإصدار مجلة خاصة بالجنود المسلمين فقط، حيث تتضمن صورًا حسنةَ المظهر للمساجد، ووصفات لوجبات الإفطار في رمضان.
ولكن في عام 2010 تسبب "بوحرب" في إثارة الغضب بعد أن انتقد علانية في مقابلة مع صحيفة "هوفينجتون بوست" الأمريكية الإلكترونية - قرارَ الرئيس الفرنسي بحظر ارتداء النقاب؛ فقد قال: "الجدل حول النقاب وسيلةٌ ممتازة لشَغْل الرأي العام، والتملص من المشكلات الحقيقية المتعلقة بالبطالة والإسكان والأزمة الاقتصادية، وللتذكرة فحسب فإن هذه القضيةَ تُهم شريحةً بسيطة جدًّا من المرأة المسلمة الفرنسية".
وعلى إثر حالة الغضب العارمة بفرنسا تجاه انتقاد الجندي العلني للقائد العسكري الأعلى، حاول "بوحرب" التراجعَ مصرِّحًا بأن تعليقاتِه نُزعت عن سياقها، وبسبب لفت الجدل الانتباه إلى خلفية "بوحرب"، ظهر أنه أحدُ المتعاطفين مع الإخوان المسلمين.
فعلى سبيل المثال، كشفت قصةٌ إخبارية رئيسة بمجلة "سلام نيوز" الفَرنسية الإسلامية الثقافية أن "بوحرب" درس أصولَ الدين في "المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية"، والذي يعتبر مؤسسةً تعليمية يديرها الإخوانُ المسلمون، كما أن الصحف الفرنسية ذكرت أن "بوحرب" كان يحضر مؤتمرات برعاية "اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا" والذي يمثِّل الإخوانَ المسلمين بفرنسا.
وبعض الدول الأوروبية الأخرى لديها قلقها تجاه المسلمين في قواتها المسلحة؛ ففي النمسا على سبيل المثال رفض ثلاثةُ جنود مرتكزين بثُكنات "ماريا ثريزين" في مقاطعة "هايتزنج" بمدينة "فيينا" - تحيةَ العَلَم النمساوي في أحد العروض (حيث قاموا بإدارة ظهورهم له)، مفسِّرين ذلك بأنه يتعارض مع تعاليمِ دينهم.
وقد ذكرت الصحيفة النمساوية "داي برس" أن ثلاثةَ جنود يحمل جميعهم الجنسيةَ النمساوية صرَّحوا بأنهم لا يمكنهم الانحناءُ للعلم النمساوي، ولن يقوموا مستقبَلاً بتحية العَلَم، أو حتى النظر إليه.
وقد ذكرت الصحيفةُ أن الجنودَ المسلمين لم يتحولوا للتأديب، ولكن استُدعي في النهاية أحدُ الأئمة ليُصدر فتوى تنص على أن المسلمين يجوز لهم تحيةُ العَلَم النمساوي.
وهذا علاوة على شكوى ضباط الجيش النمساويين من أن المسلمين المجندين إجباريًّا بالجيش - يشكِّلون نسبة 3،5% - لا يستطيعون القيامَ بجميع المهام، وهذا لأنه يُسمَح لهم بأداء الصلاة خمس مرات يوميًّا، بقطع النظر عن العمل الذي يقومون به في ذلك الوقت، وبعض من يحضرون صلاة الجمعة يبقَوْن بَعِيدين باقي اليوم.
وفي هولندا قام الجيش الهولندي بتحسين أوضاع تجنيد الشباب المسلم ردًّا على اتهامه بالتمييز، ولكن في الوقت الراهن أصبحت وكالةُ المخابرات الحربية قلقةً من أن عددًا غيرَ محصور من الجنود المسلمين مشكوكٌ بأنهم أصبحوا متعاطفين مع الأصوليين الإسلاميين.
وفي أحدث تقريرٍ سنوي ذكرت وكالةُ المخابرات الحربية أنها أجرَتْ عددًا من التحقيقات في "اعتناق أفراد الجيش للأصولية"، حيث "يوجد مؤشرات تدل على اعتناق محتمل لأفراد أو لمجموعات للأصولية داخل القوات المسلحة".
وفي إسبانيا أَلغى القائدُ العام عقود عشرات المسلمين بمدينة "سبتة" المدينة المحاطة بالساحل الشمال المغربي؛ بِناءً على معلومات سرية أشارت إلى "فِقدان الثقة أو الشك في الولاء".
لقد اهتمت السلطاتُ الإسبانية بأمن "سبتة"، وجارتها مدينة "مليلية" والتي هددت الجماعاتُ الجهادية بالمغرب باستعادتها إلى سيطرة الإسلام.
وأما في سويسرا فقد أعربت الصحفُ عن قلقها من تزايد أعداد الجنود المسلمين بالجيش السويسري، وفي عام 2010 أصدرت الحكومة السويسرية قانونًا يمنح الجنودَ المسلمين مميزاتٍ خاصة، تحديدًا إذا ما تعلَّق الأمر بالأغذية، ولكن لن يسمح بأداء الصلوات الخمس، حيث لن يتمكن المجنَّدون من أداءِ الصلاة إلا بعد إنهاء واجبات الجيش العسكرية اليومية.
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/World_Muslims/0/53166/#ixzz2QouwORvL
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق